فصل: الحديث الخَامِس:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث الثَّالِث:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ».
هَذَا الحَدِيث يُرْوى من حديثِ أنسٍ، وابْنِ عُمر، وَأبي سعيدٍ الخدريِّ، وغيرِهِمْ.
أما حَدِيث أنس، فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جامعه وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي سنَنه، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيثه مَرْفُوعا: «أرحمُ أُمَّتي بِأُمَّتي أَبُو بكر، وأشدُّها حَيَاء عُثْمَان، وأعلَمُهَا بالحلال وَالْحرَام معَاذ بن جبل، وأقرؤها لكتاب الله تَعَالَى أُبِيّ، وأعلَمُهَا بالفرائض زيد، وَلكُل أُمَّةٍ أمينٌ، وأمينُ هَذِه الأُمّة أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح».
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَالَ الْحَاكِم: إِسْنَاده صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ.
وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم: «أَفْرَضُ أُمَّتي زيد» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ.
وَرَوَى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه اللَّفْظَة الْأَخِيرَة مُقْتَصرا عَلَيْهَا، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لِأَن ذَلِك لم يسمعهُ أَبُو قلَابَة من أنسٍٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُنْقَطع.
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه أَيْضا بِلَفْظ: «أَرْحَمُ أُمَّتي بأُمَّتي أَبُو بكر، وأشدُّهُم فِي أمْر الله عُمر، وأَصْدَقُهُمْ حَيَاء عُثْمَان، وأَفْرَضُهُم زيد بن ثَابت» وَالْبَاقِي بِمَعْنَاهُ. وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا فِي مُسْنده كَذَلِك، إِلَّا أَنه قَالَ: «وأشدُّهَا فِي دِينِ الله عُمرُ» وَالْبَاقِي مثله، إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ: «وأصدَقُهَا» و«أقْرَؤها» و«أَعْلَمُهَا بالفرائض زيد».
وأمّا حَدِيث ابْن عُمر، فَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي تَرْجَمَة ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: «إِن أَرْأف أُمَّتي بهَا أَبُو بكر...» إِلَى أَن قَالَ: «وَإِن أَفْرَضُهَا زيد بن ثَابت».
وأمّا حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فَرَوَاهُ أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ مَرْفُوعا: «أَفْرَضُ أُمتي زيد بن ثَابت، وأقضاهم عليٌّ...» الحَدِيث.
وَرَوَاهُ ابْن الْأَنْبَارِي فِي كِتَابه الرَّد عَلَى مَنْ خالفَ مصحف عُثْمَان بِلَفْظ: «وأَفْرَضُهُمْ زيد».
وَفِيه زيد العمِّي، وَلَيْسَ بالقويّ، وسلاَّم الطَّوِيل، وَقد تَرَكُوهُ.
وَله طَرِيق رَابِع وخامس ذكرتُهما فِي تخريجي لأحاديث الْوَسِيط مَعَ بَيَان وَهن تَضْعِيف ابْن حَزْمٍ لَهُ، فراجِعْهُ مِنْهُ تَجِد نفائِسَ.
فَائِدَة: اخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيل قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ: «أَفْرَضُكُمْ زيد» عَلَى أقوالٍ خَمْسَة، ذكرهَا الماورديُّ فِي حاويه:
أَحدهَا: أَنه قَالَ ذَلِك حثًّا عَلَى مناقشته وَالرَّغْبَة فِي تعلمه كَرَغْبَتِهِ؛ لِأَن زيدا كَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى الْفَرَائِض.
ثَانِيهَا: أَنه قَالَ ذَلِك تَشْرِيفًا لَهُ، وإنْ شَاركهُ غيرُهُ فِيهِ، كَمَا قَالَ: «أقضاُكُم عليٌّ». وَمَعْلُوم أَن أعرف الناسِ بِالْقضَاءِ هُوَ أَعْرَفُهُم بالفرائض؛ لِأَن ذَلِك من جُمْلة القضايا.
ثَالِثهَا: أَنه أَشَارَ بذلك إِلَى جماعةٍ من الصَّحَابَة كَانَ زيدٌ أفرضَهُمْ، وَيرد هَذِه الرِّوَايَة السالفة: «أفْرَضُ أُمَّتي زيد بن ثَابت».
رَابِعهَا: أَنه أَرَادَ بذلك أَن زيدا كَانَ أَشَّدهم عناية وحرصًا عَلَيْهِ.
خَامِسهَا: أَنه قَالَ ذَلِك؛ لِأَنَّهُ كَانَ أصحَّهُم حسابا وأسرعَهُمْ جَوابًا.
وَذكر غَيره جَوَابًا آخر: أنَّ «من» مقدَّرة فِيهِ.

.الحديث الرَّابِع:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ورَّث بِنْتَ حَمْزَة مِنْ مولَى لَهَا».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى- وَهُوَ ضعيفٌ- عَنِ الحكم، عَن عبد الله بن شَدَّاد، عَن بنت حَمْزَة وَهِي أختُ ابْنِ شَدَّاد لأُمِّه قَالَت: «مَاتَ مولَايَ وَترك ابْنَته؛ فقسَّم رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مالَهُ بيني وبَيْنَ ابْنَتِهِ، فَجعل لي النصفَ وَلها النّصْف».
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن شَدَّاد: «أَن ابْنة حَمْزَة بن عبد الْمطلب أعتقتْ مَمْلُوكا لَهَا، فَمَاتَ وَترك ابْنَتَهُ ومولاَتَهُ، فورثته ابْنتَهُ النّصْف وَابْنَة حَمْزَة النّصْف». ثمَّ قَالَ: وَهَذَا أَولى بِالصَّوَابِ مِنَ الَّذِي قَبْله، وَابْن أبي لَيْلَى كثير الْخَطَأ.
وَذكره كَذَلِك الحاكمُ فِي ترجمتهما من مُسْتَدْركه وصرَّح بِأَن اسْمهَا أُمامة. وَذكره أَيْضا أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث همام، عَن قَتَادَة، عَن سلْمَى ابْنة حَمْزَة: «أَن مَوْلَاهَا مَاتَ وَترك ابْنَتَهُ، فورَّث النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ابْنَتَهُ النّصْف ويعلى النّصْف- وَكَانَ ابْنَ سَلْمَى».
وَذكره أَيْضا أَبُو دَاوُد فِي مراسيله، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله: إِنَّه أصح. وَقد رُوي أَن الْمولى كَانَ لِحَمْزَة، قَالَ ابْنُ الصّلاح: وَالْأول هُوَ الصَّحِيح. ورَوَى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث جَابر بن زيد، عَن ابْن عَبَّاس: «أَن مولَى لِحَمْزَة تُوفي وَترك ابْنَته وَابْنَة حَمْزَة، فَأعْطَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ابْنَتَهُ النّصْف، وابْنَةَ حَمْزَة النّصْف». وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النخعيِّ وَيَحْيَى بن آدم وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أَن الْمولى كَانَ لِحَمْزَة قَالَ الْمجد فِي أَحْكَامه: فإنْ صحَّتْ هَذِه الرِّوَايَة الأُوْلى لم تقدح فِي هَذِه الرِّوَايَة؛ لِأَن المُحْتَمَل تعدُّدُ الْوَاقِعَة، ومِنَ المحتَمل أَنه أضَاف مولَى الْوَالِد إِلَى الْوَلَد بِنَاء عَلَى القَوْل بانتقاله إِلَيْهِ أَو توريثه.
قلت: لَكِن فِي هَذِه الرِّوَايَة سُلَيْمَان بن دَاوُد، وَهُوَ الشَّاذكُونِي ضعَّفوه، وكذَّبه ابْن معِين وغيرُه، وَقَالَ أَبُو حَاتِم:
مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ البُخَارِيّ: هُوَ عِنْدِي أَضْعَف من كلِّ ضَعِيف.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه: وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن سَلمَة بن كهيل وَالشعْبِيّ عَن عبد الله بن شَدَّاد: «أَن ابْنة حَمْزَة أعْتَقَتْ مَمْلُوكا...» الحَدِيث.
قَالَ: ابْنُ شَدَّاد أَخُو بنت حَمْزَة من الرضَاعَة، والْحَدِيث مُنْقَطع.
قلت: بل هُوَ أَخُوهَا لأُمِّها كَمَا تقدَّم. وَقد قيل: عَن الشّعبِيّ عَن عبد الله بن شَدَّاد عَن ابْنة حَمْزَة وكل هَؤُلَاءِ الروَاة عَن عبد الله بن شَدَّاد أَجمعُوا عَلَى أَن ابْنة حَمْزَة هِيَ الْمُعتقَة. وَقَالَ إِبْرَاهِيم النخعيّ: تُوفيِّ مولَى لِحَمْزَة بن عبد الْمطلب؛ فَأعْطَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ابْنة حَمْزَة النّصْف طُعْمَةً، وَقبض النصفَ.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا غلط، وَقد قَالَ شريك: تقحم إِبْرَاهِيم هَذَا القَوْل تقحمًا، إِلَّا أَن يكون سمع شَيْئا فَرَوَاهُ.
فَائِدَة: قد أسلفنا أَن ابْنة حَمْزَة اسْمهَا أُمامة، أَو سَلْمَى، وَحَكَى الْمزي فِي أَطْرَافه قولا آخر، أَن اسْمهَا: أَمَةُ اللَّهِ، قَالَ: وَقيل:
هِيَ أُمُّ الْفضل. وَسَيَأْتِي زِيَادَة عَلَى ذَلِك فِي بَاب الْحَضَانَة، إِن شَاءَ الله وقدَّره.

.الحديث الخَامِس:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «أَنا وارثُ مَنْ لَا وَارِث لَهُ، أعْقِلُ عَنهُ وأَرِثُهُ».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من رِوَايَة رَاشد بن سعد، عَن أبي عَامر الْهَوْزَنِي، عَن الْمِقْدَام بن معدي كرب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «مَنْ تَرَكَ كَلا فإليَّ- وَرُبمَا قَالَ: فَإلَى الله وَرَسُوله- ومَنْ ترك مَالا فلورثته، وَأَنا وارثُ مَنْ لَا وَارِث لَهُ، وأعْقِلُ عَنهُ وأَرِثًُهُ، وَالْخَال وَارِث مَنْ لَا وَارِث لَهُ يَعْقِلُ عَنهُ ويَرِثُهُ».
وَفِي رِوَايَة لَهُ: «وَأَنا أَوْلى بِكُلِّ مؤمنٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَمَنْ ترك دَيْنًا أَو ضَيْعَةً فإليَّ، ومَنْ ترك مَالا فلورثته، وَأَنا مولَى مَنْ لَا مولَى لَهُ، أَرِثُ مالَهُ وأَفُكُّ عَانَهُ، وَالْخَال مولَى مَنْ لَا مولَى لَهُ، يَرِثُ مَاله ويَفُكُّ عانَهُ».
قَالَ أَبُو دَاوُد: وَرَوَاهُ الزبيدِيّ عَن رَاشد بن سعد، عَن ابْن عائذٍ، عَن الْمِقْدَام، وَرَوَاهُ مُعَاوِيَة بن صَالح، عَن رَاشد قَالَ: سَمِعت الْمِقْدَام. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مثل طَرِيق أبي دَاوُد الأُولى. وَرَوَاهُ أَيْضا عَن رَاشد بن سعد، عَن الْمِقْدَام نَحوه، وَلَيْسَ فِي مَتنه ذكْر «الْخَال»، وَلَا فِي إِسْنَاده ذكْر أبي عَامر.
وَرَوَاهُ أَيْضا عَن رَاشد بن سعد عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: وَهُوَ مُرْسل.
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا عَن شُعْبَة، عَن بديل بن ميسرَة، عَن عليّ بن أبي طَلْحَة، عَن رَاشد، عَن أبي عَامر، عَن الْمِقْدَام بِلَفْظ أبي دَاوُد الأوَّل.
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عليّ بن أبي طَلْحَة بِهِ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: إِنَّه حَدِيث حسن. حَكَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي علله وَقَالَ ابْن الْقطَّان: كلُّ رِجَاله مَا بهم بأسٌ.
قلت: وَعلي هَذَا وَثَّقَهُ الْكُوفِي، وَقَالَ أَحْمد: لَهُ أَشْيَاء مُنكرَات. وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيقين عَن رَاشد بن سعد، عَن أبي عَامر، عَن الْمِقْدَام. وَعَن رَاشد أَن ابْن عَائِذ حدَّثه أَن الْمِقْدَام حدَّثهم، ثمَّ قَالَ: سمع هَذَا الْخَبَر راشدُ عَن أبي عَامر الْهَوْزَنِي عَن الْمِقْدَام، وسَمعه عَن عبد الرَّحْمَن بن عَائِذ الأزديّ عَن الْمِقْدَام، قَالَ: فَالطَّرِيقَانِ جَمِيعًا محفوظان ومتناهما متباينان. وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله: أَن شُعْبَة وَحَمَّاد وَإِبْرَاهِيم بن طهْمَان رَوَوْهُ عَن بديل عَن ابْن أبي طَلْحَة، عَن رَاشد، عَن أبي عَامر، عَن الْمِقْدَام، وَأَن مُعَاوِيَة بن صَالح خالفهم، فَلم يذكر عامرَ بَيْنَ رَاشد والْمِقْدَام ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَالْأول أشبه بِالصَّوَابِ. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَهُوَ عَلَى مَا قَالَ؛ فَإِن ابْن أبي طَلْحَة ثِقَة وَقد زَاد فِي الْإِسْنَاد مَنْ يتّصل بِهِ، فَلَا يَضُرُّه إرْسَال مَن قطعهُ وَإِن كَانَ ثِقَة، فَكيف إِذا كَانَ فِيهِ مقَال، فنرى هَذَا الحَدِيث صَحِيحا. ذكره عقب قَول عبد الْحق فِي أَحْكَامه: اخْتلف فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ المنذريُّ: فَروِيَ عَن رَاشد بن سعد عَن أبي عَامر الْهَوْزَنِي عَن الْمِقْدَام، ورُوي عَن رَاشد بن سعد عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بالقويّ؛ رَوَاهُ رَاشد بن سعد، وَأَبُو عَامر عبد الله بن لُحيِّ الْهَوْزَنِي، وهما مِمَّن يَحْتَجُّ بِهِ الشَّيْخَانِ، وَهُوَ حَدِيث مُخْتَلف فِيهِ.
وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، وَهُوَ ضَعِيف، غير مُحْتَجٍّ بِهِ، وَقَالَ فِيهِ وَفِي شبه هَذَا الحديثِ: كَانَ يَحْيَى بن معِين يُبطلهُ وَيَقُول: لَيْسَ فِيهِ حَدِيث قويّ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد أَجمعُوا عَلَى أَن الْخَال الَّذِي لَا يكون ابْنَ عَمٍّ، أَو مولَى لَا يعقل بالخئولة، فخالفوا الحديثَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فِي الْعقل، فَإِن كَانَ ثَابتا، فَيُشبه أَن يكون فِي وقتٍ كَانَ يُعقل بالخؤلة، ثمَّ صَار الْأَمر إِلَى غير ذَلِك، أَو أَرَادَ خالاً يعقل؛ بِأَن يكون ابْنَ عَمٍّ أَو مولَى، أَو اخْتَار وضع مَاله فِيهِ إِذا لم يكن لَهُ وَارِث سواهُ.
قلت: وَلِحَدِيث الْمِقْدَام هَذَا طَرِيق ثَان؛ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جامعه وَقَالَ: حَسَنٌ. وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث عُمر مَرْفُوعا: «الله ورسولُه مولَى من لَا مولَى لَهُ، وَالْخَال وَارِث مَنْ لَا وَارِث لَهُ».
وَله طَرِيق ثَالِث، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عَمرو بن مُسلم عَن طَاوس عَن عَائِشَة مَرْفُوعا: «الْخَال وَارِث مَنْ لَا وَارِث لَهُ».
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، وَقد أرْسلهُ بَعضهم. وَقَالَ عبد الْحق: اخْتلف فِيهِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: عَمرو هَذَا لَيْسَ بالقويّ. وَقد اخْتلف عَلَى ابْن جريج فِيهِ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِي الدِّين فِي الْإِلْمَام: عَمرو هَذَا أخرج لَهُ مُسلم وبعضُهم، وَأخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ: إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. كَذَا زعم، والبخاريُّ لم يُخَرِّج لِعَمرو هَذَا- وَقد أسلفنا غير مرَّة أَن مثل هَذَا لَا يرد عَلَى الْحَاكِم- وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ أَن رفْعه وهْمٌ. وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ، وَأَن الصَّوَاب وَقْفه. قَالَ: وَلم يُرو هَذَا الحديثُ من وَجه يَصح. وَقَالَ الْبَزَّار فِي مُسْنده: أحسنُ إِسْنَاد فِيهِ حَدِيث أبي أُمَامَة بن سهل قَالَ: كتب عُمرُ بن الْخطاب إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح: أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «الله ورسولُه مولَى مَنْ لَا مولَى لَهُ، وَالْخَال وَارِث مَنْ لَا وَارِث لَهُ».
قلت: وَهَذَا طَرِيق رَابِع، وَقد أخرجه ابْن السكن فِي صحاحه أَيْضا، وقبلهما أَحْمد فِي مُسْنده، وَالتِّرْمِذِيّ فِي جامعه- وَابْن مَاجَه فِي سنَنه- ثمَّ قَالَ: حسن. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَإِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة حَكِيم بن حَكِيم عَن أبي أُمَامَة، وَحَكِيم لَا تُعرف عَدَالَته. قلت لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَأخرج الحديثَ فِي صَحِيحه مِنْ جِهَة عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث الرَّاوِي عَن حَكِيم، قَالَ أَحْمد: إِنَّه مَتْرُوك. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: شيخ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بالقويّ. وَقَالَ ابْن نمير: لَا أَقْدُمُ عَلَى ترك حَدِيثه.
ثمَّ اعْلَم أَنه وَقع فِي أَحْكَام عبد الْحق الْكُبْرَى والْوُسْطَى عَن حَكِيم بن حَكِيم قَالَ: «كتب عُمر...» فَذكره، فَسقط مِنْهُ ذكْرُ أبي أُمَامَة، فَتنبه لَهُ.

.الحديث السَّادِس:

روُي أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «سألتُ اللَّه- عَزَّ وَجَلَّ- عَن مِيرَاث العَمَّة وَالْخَالَة، فسارَّني جبريلُ أَن لَا مِيرَاث لَهما».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من رِوَايَة مسْعدَة بن الْيَسَع الْبَاهِلِيّ، عَن مُحَمَّد بن عَمرو، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة: «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ عَن مِيرَاث العَمَّة وَالْخَالَة؛ فَقَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى يأتيني جِبْرِيل. ثمَّ قَالَ: أَيْن السَّائِل عَن مِيرَاث العَمَّة وَالْخَالَة؟ قَالَ: فَأَتَى الرجلُ، فَقَالَ: سارَّني جِبْرِيل أَنه لَا شَيْء لَهما».
ثمَّ قَالَ: لم يسْندهُ غير مسْعدَة عَن ابْن عَمرو، وَهُوَ ضَعِيف، وَالصَّوَاب مُرْسل.
ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث الدَّرَاورْدِي، عَن زيد بن أسلم، عَن عَطاء بن يسَار: «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم رَكِبَ إِلَى قبَاء يستخير فِي مِيرَاث العَمَّة وَالْخَالَة؛ فَأنْزل الله- عَزَّ وَجَلَّ-: أَن لَا مِيرَاث لَهما».
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله هَكَذَا، والثَّانِي من رِوَايَة زيد بن أسلم أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا أجد لَهما شَيْئا».
وَكَذَا أخرجه عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة، وَرَوَى الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه حَدِيث عَطاء بن يسَار، لَكِن وَصله بذكْر أبي سعيد الخدريِّ بعد عَطاء، لَكِن فِي إِسْنَاده ضرار بن صرد أَبُو نعيم الطَّحَّان، وَهُوَ هالكٌ، لَكِن رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أَصْغَر معاجمه مَوْصُولا، لَا يُدْرَى مَنْ هَذَا الرجل؟ وَلَا بَأْس بِإِسْنَادِهِ.
وَرَوَى الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه أَيْضا مثل حَدِيث أبي هُرَيْرَة، عَن شريك بن أبي نمر أَن الْحَارِث بن عَبْدٍ أخبرهُ «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ عَن مِيرَاث العمَّة وَالْخَالَة؛ فسكتَ؛ فَنزل جبريلُ- عَلَيْهِ السَّلَام-؛ فَقَالَ: حدَّثني جبريلُ أَن لَا مِيرَاث لَهما».
قلت: وَفِيه سُلَيْمَان الشَّاذكُونِي، وَقد عرفتَ حَاله قَرِيبا.
قَالَ الذَّهَبِيّ: وَهُوَ مُرْسل، أَي لِأَن الْحَارِث بْنَ عَبْدٍ لَيْسَ مِنْ أَصْحَابنَا، بل لَا أعرف حالَه أَيْضا، وَالْحَاكِم- رَحِمَهُ اللَّهُ- استشهدَ بِهَذَا الحَدِيث، لحَدِيث عبد الله بن جَعْفَر عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر قَالَ: «أَقْبَلَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى حمارٍ، فَلَقِيَهُ رجلٌ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، رجلٌ ترك عمته وخالته، لَا وَارِث لَهُ غيرُهما؟ فَرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء، فَقَالَ: اللَّهُمَّ رجلٌ ترك عَمَّته وخالته لَا وَارِث لَهُ غَيرهمَا. ثمَّ قَالَ: أَيْن السَّائِل؟ قَالَ: هاأنا ذَا قَالَ: لَا مِيرَاث لَهما».
ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد؛ فَإِن عبد الله بن جَعْفَر المدينى وَإِن شهد عَلَيْهِ ابْنه بِسوء الْحِفْظ فَلَيْسَ مِمَّن يُتْرك حَدِيثه، وَقد صحَّ بِهَذِهِ الشواهد.

.الحديث السَّابِع:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ركب إِلَى قبَاء يستخير الله تَعَالَى فِي العَمَّة وَالْخَالَة، ثمَّ قَالَ: أُنْزِل عليَّ أَن لَا مِيرَاث لَهما».
هَذَا الحَدِيث سلف فِي الحَدِيث قبله وَاضحا، وَأَنه رُوي مُتَّصِلاً ومُرْسَلاً.

.الحديث الثَّامِن:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «ألحِقُوا الْفَرَائِض بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِي فَهُوَ لأولى رجلٍ ذكَر».
وَفِي رِوَايَة: «فلأوْلى عصبَة ذَكَرٍ».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما بِاللَّفْظِ الأول.
وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «اقْسِمُوا المَال بَين أهل الْفَرَائِض عَلَى كتاب الله، فَمَا تركتْ الفرائضُ فلأوْلى رجل ذَكَرٍ».
وَأما اللَّفْظ الثَّانِي فغريبٌ، والرافعي تبع فِي إيرادها الْغَزالِيّ، وَهُوَ تَبِعَ إمَامَهُ، وَزَاد- أعْنِي: الرافعيَّ-: فادَّعى شهرتها، كَمَا ستعلمه قَرِيبا، فَلَا يحضرني مَنْ خَرَّجها عِوَضًا عَن شهرتها، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد شهرتها فِي كُتُبِ الْفُقَهَاء والفرضيين، لَا فِي كُتب أهْل الْفَنّ، وَأفَاد ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه أَن هَذِه اللَّفْظَة لَا تُحْفظ، وَقَالَ ابْن الصّلاح: فِيهَا نظر وبُعْد عَن الصِّحَّة من حَيْثُ الرِّوَايَة، ومِنْ حَيْثُ اللُّغَة؛ فَإِن «الْعصبَة» فِي اللُّغَة اسْم للجمْع، وإطلاقها عَلَى الواحدِ مِنْ كَلَام العامَّة، وأشباهها من الْخَاصَّة.

.الحديث التَّاسِع:

رُوي أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «الِاثْنَان فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَة».
هَذَا الحَدِيث يرْوَى من طرق:
أَحدهَا: من طَرِيق أَبَى مُوسَى الأشعرىّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه. والعقيلي فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَإِسْنَاده ضَعِيف- وَإِن ذكره ابْن السكن فِي صحاحه؛ الرّبيع بن بدر بن عَمرو عليلة وَهُوَ واهٍ، وَأَبوهُ وجَدُّه مَجْهُولَانِ، قَالَه الذَّهَبِيّ، وَعَجِيب من الْحَاكِم فِي إِخْرَاجه لَهُ فِي مُسْتَدْركه لكنه سكت عَنهُ، فَلم يُصَحِّحهُ وَلم يُضعفهُ، ولمَّا أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه قَالَ: فِي إِسْنَاده الرّبيع وَهُوَ ضَعِيف. وَقَالَ: ورُوي من وجْهٍ آخر بإسنادٍ ضعيفٌ، ثمَّ أخرجه من حَدِيث أنسٍ مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور.
الطَّرِيق الثَّانِي: من طَرِيق أنسٍ، وَقد فَرغْنَا مِنْهَا آنِفا، وَأعله عبدُ الْحق بِسَعِيد بن زَرْبِي، وابْنُ الْقطَّان بعبَّاد الدَّوْرَقِي وَقَالَ: لَا أعرفهُ فِي غير هَذَا.
الطَّرِيق الثَّالِث: من طَرِيق عَمرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جدِّه مَرْفُوعا، كَذَلِك رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَإِسْنَاده أَيْضا ضَعِيف، فِيهِ عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن الوقاصي الواهِي، قَالَ خَ: تَرَكُوهُ.
الطَّرِيق الرَّابِع: من طَرِيق الحكم بن عُمَيْر مَرْفُوعا كَذَلِك، رَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث بَقِيَّة عَن عِيسَى بن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان قَالَ: حَدثنِي ابْن أبي حبيب- يَعْنِي: عمَّه مُوسَى بن أبي حبيب- قَالَ: سمعتُ الحَكَم... فَذكره، وَإِسْنَاده أَيْضا ضَعِيف كَمَا ترَى، وَأعله عبد الْحق بِعِيسَى الْمَذْكُور وَقَالَ: إِنَّه مُنكر الحَدِيث ضعيفه. وَاعْتَرضهُ ابْنُ الْقطَّان فَقَالَ: مُوسَى ضَعِيف، وَبَقِيَّة من قد علمتَ حَاله فِي رِوَايَة الْمُنْكَرَات، فَمَا يَنْبَغِي أَن يُحمل فِيهِ عَلَى عِيسَى، وَقد اكتنفه ضعيفان من أَسْفَل وَمن فَوق.
الطَّرِيق الْخَامِس: من طَرِيق أبي أُمَامَة: «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأَى رجلا يُصَلِّي، فَقَالَ: أَلا رجلٌ يتصدَّق عَلَى هَذَا فَيصَلي مَعَه؟ فَقَامَ رجل يُصَلِّي مَعَه، فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: هذانِ جمَاعَة».
رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث عبيد الله بن زحر، عَن عَلّي بن يزِيد، عَن الْقَاسِم، عَن أبي أُمَامَة، وَهَذَا سَنَد واهٍ جدًّا.
الطَّرِيق السَّادِس: من طَرِيق أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «اثْنَان فَمَا فَوْقهمَا جماعةٌ».
رَوَاهُ ابْن الْمُغلس فِي كِتَابه الموضح عَن عليّ بن يُونُس بن السكن، ثَنَا إِبْرَاهِيم بن عَبْدِ الرَّزَّاق الضَّرِير، ثَنَا عَلّي بن يَحْيَى، ثَنَا عِيسَى بن يُونُس، عَن مُحَمَّد بن عَمرو، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة بِهِ. وَهَذَا سَنَد فِيهِ مَنْ لَا يعرف، قَالَ الشَّاشِي فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُسْتَصْفَى: هَذَا حَدِيث لَا يَصح لجَهَالَة بعض رُوَاته.

.الحديث العَاشِر:

عَن قبيصَة بن ذُؤَيْب قَالَ: «جَاءَت الجَدَّةُ إِلَى أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه تسأله مِيرَاثهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ فِي كتاب الله شَيْء، وَمَا علمتُ لكِ فِي سُنَّة رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا؛ فارجعي حَتَّى أسأَل النَّاس. فَسَأَلَ النَّاس؛ فَقَالَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة: شهدتُ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَعْطَاهَا السُّدس. فَقَالَ: هَل مَعَك غَيْرك؟ فَقَامَ مُحَمَّد بن مسلمة الْأنْصَارِيّ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغيرَة، فأنْفَذَ لَهَا أَبُو بكر، ثمَّ جاءتِ الْجدّة الأخْرى إِلَى عُمر تسأله مِيرَاثهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ فِي كتاب الله شَيْء، وَمَا كَانَ الْقَضَاء الَّذِي قُضي بِهِ إِلَّا لغيركِ، وَمَا أَنا بزائد فِي الْفَرَائِض شَيْئا، وَلَكِن هُوَ ذَاك السُّدس، فَإِن اجتمعتما فَهُوَ بَيْنكُمَا، وأيكما خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة: د ت ق ن، من حديثٍ ابْن شهَاب، عَن عُثْمَان بن إِسْحَاق بن خَرشَة، عَن قبيصَة بِهِ.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث صَحِيح حسن.
وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه، وَرَوَاهُ أَيْضا الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِدُونِ ذكْر الجدَّة الثَّانِيَة، وَكَذَا أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده، ثمَّ قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. وأمَّا عبد الْحق فأعله بالانقطاع فَقَالَ: هَذَا حَدِيث لَيْسَ بِمُتَّصِل السماعِ فِيمَا أعلم، وَهُوَ مَشْهُور. وبَيَّنَه ابْن الْقطَّان فَقَالَ: الَّذِي ظنَّه أَبُو مُحَمَّد مِنْ عَدَمِ الِاتِّصَال إِنَّمَا هُوَ فِيمَا بَين قبيصَة وَأبي بكر وعُمر، وَإنَّهُ ليقوي مَا تخوف، وَلَكِن قد أعرض عَن ذَلِك التِّرْمِذِيّ فصححه، وَهُوَ لَا يَقُول ذَلِك فِي الْمُنْقَطع، فَهُوَ عِنْده مُتَّصِل. وسبقهما إِلَى ذَلِك أَبُو مُحَمَّد بن حزم فَإِنَّهُ قَالَ فِي محلاه بعد أَن سَاقه من طَرِيق مَالك: لَا يَصح، حَدِيث قبيصَة مُنْقَطع؛ لإنه لم يدْرك أَبَا بكر، وَلَا سَمعه من الْمُغيرَة وَلَا مُحَمَّد. وتبعهم المنذريُّ فَقَالَ فِي مُخْتَصر السّنَن: فِي سَماع قبيصَة بن ذُؤَيْب من الصدِّيق نظرٌ؛ فَإِن مولده عَام الْفَتْح، وَقد قيل: إِنَّه وُلد فِي أوَّل سَنَةٍ من الْهِجْرَة، والأوَّل حَكَاهُ غيرُ واحدٍ، وَعَلَى الثَّانِي يرْتَفع الْإِشْكَال. وَجزم المزيُّ بِأَن رِوَايَته عَنْهُمَا مُرْسلَة، وَقَالَ شَيْخُنَا صلاحُ الدِّيْن العلائيُّ فِي مراسيله: الْأَصَح أَن مولده عَام الْفَتْح. فقوَّى الْإِشْكَال، وَجزم ابْنُ عبد الْبر؛ فَإِنَّهُ قَالَ: هُوَ حَدِيث مُرْسل عِنْد بعض أهل الْعلم؛ لِأَنَّهُ لم يُذْكر فِيهِ سماعٌ لقبيصة من أبي بكر، وَلَا شُهُود لتِلْك الْقِصَّة، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مُتَّصِل؛ لِأَن قبيصَة بن ذُؤَيْب أدْرك الصدِّيق، وَله سنّ لَا يُنْكَرُ مَعهَا سَمَاعه من أبي بكر. وَقبيصَة وُلِدَ عَام الْفَتْح، وَعُثْمَان بن إِسْحَاق السالف لَا أعرف حَاله، وَلم يَرْوِ عَنهُ غير الزُّهْرِيّ فِيمَا أعلم، لَكِن تَصْحِيح التِّرْمِذِيّ وَغَيره لحديثه يُؤذِنُ بِمَعْرِِفَة حَاله، وَكَذَا إِخْرَاج مَالك فِي الْمُوَطَّأ لَهُ وَعَلَى كل حالٍ فَهُوَ حُجَّة؛ لِأَنَّهُ إمَّا مُرْسل صحابيٍّ، أَو لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون سَمعه بعد ذَلِك من المغيرةَ أَو مُحَمَّد بن مسلمة، وَتَصْحِيح التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم لَهُ وقبلهم الإِمَام مَالك كَاف، وَقد قَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع أهلُ الْعلم عَلَى أَن للجدة السُّدس إِذا لم تكن أُمّ، وَهَذَا عاضدٌ لَهُ أَيْضا.
وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ فِي علله: أخْتُلِف فِي إِسْنَاده، فَرَوَاهُ مَالك من حَدِيث الزهريّ عَن عُثْمَان بن إِسْحَاق بن خَرشَة عَن قبيصَة، وَتَابعه أَبُو أويس، عَن الزُّهْرِيّ، وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة: عَن الزُّهْرِيّ عَن رجلٍ لم يُسَمِّه، عَن قبيصَة، وَرَوَاهُ جماعاتٌ عَن الزُّهْرِيّ عَن قبيصَة، لم يذكرُوا بَينهمَا أحدا، وَيُشبه أَن يكون الصَّوَاب مَا قَالَه مَالك، وَأَبُو أويس، وَأَن الزُّهْرِيّ لم يسمعهُ من قبيصَة، إِنَّمَا سَمعه من عُثْمَان عَنهُ.
فَوَائِد: الأولَى: فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: «جَاءَت الْجدّة» وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: «جاءتِ الجَدَّةُ أُمُّ الأُمِّ، أَو أُمُّ الْأَب إِلَى أبي بكر» وَفِي لفظٍ للنسائي: «أَن الجدَّةَ أُمَّ الأُمِّ أتتْ أَبَا بكر»، وَابْن الْأَثِير لمَّا رَوَى هَذَا الحَدِيث عَن الْمُوَطَّأ قَالَ فِي أوَّله: «جَاءَت الجَدَّةُ أُمُّ الأُمِّ» وَفِي رِوَايَة: «أُمُّ الْأَب إِلَى أبي بكر» وَالْقَاضِي حُسَيْن قَالَ: إِن الَّتِي جاءتْ إِلَى الصدِّيق أُمُّ الأُمِّ، وَإِلَى عُمرَ أُمُّ الْأَب.
الثَّانِيَة: كَانَ يَكْفِي قَول الْمُغيرَة، لَكِن طلبَ الصديقُ أَن يكون مَعَه غَيره احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهُ أمرٌ عظيمٌ فَإِذا وَقَعَ اشْتهر، كَمَا فعل عمرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مَعَ أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي الاسْتِئْذَان.
الثَّالِثَة: قَوْله: «وأيُّكما خلتْ بِهِ» أَي انفردتْ، مَأْخُوذ من الْموضع الْخَالِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أحدٌ.
الرَّابِعَة: قَالَ ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه: حَدِيث إِعْطَاء رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الجَدَّةَ السُّدس رَوَاهُ معقلُ بن يسَار، وبُرَيْدَة بْنُ الْحصيب، وعمرانُ بْنُ حُصَيْن أَيْضا.

.الحديث الحَادِي عشر:

عَن بُرَيْدَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم جعل للجدة السُّدس إِذا لم تكن دونهَا ًأمّ».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث عبيد الله بن عبد الله الْعَتكِي عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه مَرْفُوعا كَذَلِك، وَعبيد الله هَذَا فِيهِ مقالٌ أسلفتُه فِي أَوَاخِر صَلَاة التَّطَوُّع، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين فِي الْإِلْمَام عقب إِيرَاده الحَدِيث: عبيد الله وُثِّق. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صالحٌ. وَأنكر عَلَى البُخَارِيّ إِدْخَاله فِي كتاب الضُّعَفَاء وَقَالَ: يحول. وَاقْتصر عَلَى ذَلِك، وَلم يذكر ضعْفَهُ، وَقد أسلفنا هُنَاكَ عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ فِي حَقه: عِنْده مَنَاكِير. وَذكر ابْنُ السكن فِي صحاحه هَذَا الحديثَ، وَفِيه النّظر الْمَذْكُور، وَأوردهُ القاضى أَبُو الطّيب بلفظٍ عَن بُرَيْدَة: «أَنه- عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ- أعْطى الجَدَّةَ أُمَّ الأُمِّ إِذا لم يكن دونهَا أُمّ السُّدس». وَلم أره كَذَلِك.